10.8.09

إلى شاعر شاب

لا تصدّقْ خلاصاتنا، وانسها
وابتدئ من كلامك أنت. كأنك
أوّل من يكتب الشعر،
أو آخر الشعراء!
إن قرأت لنا، فلكي لا تكون امتداداً
لأهوائنا،
بل لتصحيح أخطائنا في كتاب الشقاء.
لا تسل أحداً: منْ أنا؟
أنت تعرف أمّك..
أمّا أبوك... فأنت!
الحقيقة بيضاء. فاكتبْ عليها
بحبر الغراب.
والحقيقة سوداء، فاكتب عليها
بضوء السراب!
إن أردت مبارزة النسر
حلّق مَعَهْ
إن عشقتَ فتاة، فكن أنتَ
لا هي،
منْ يشتهي مصرعهْ
الحياةُ أقلّ حياة،
ولكننا لا نفكّر بالأمر،
حرصاً على صحّة العاطفةْ
إن أطلت التأمّل في وردةٍ
لن تزحزحك العاصفة!
أنت مثلي، ولكنّ هاويتي واضحة
ولك الطرق اللانهائية السرِّ،
نازلة صاعدة!
قد نُسمّي نضوب الفتوة نضج المهارة
أو حكمةً
إنها حكمة، دون ريب،
ولكنها حكمة اللاغنائيّة الباردة
ألفُ عصفورة في يدٍ
لا تعادل عصفورة واحدة
ترتدي الشجرة!
القصيدةُ في الزمن الصعب
زهرٌ جميلٌ على مقبرة!
المثالُ عسير المنال،
فكن أنت أنت وغيرك
خلف حدود الصدى
للحماسة وقت انتهاء بعيد المدى
فتحمّسْ تحمّسْ لقلبك واتبعه
قبل بلوغ الهدى
لا تقل للحبيبة: أنتِ أنا
وأنا أنتِ،
قلْ عكس ذلك: ضيفان نحْنُ
على غيمةٍ شاردة
شُذَّ، شُذَّ بكل قواك عن القاعدة
لا تضع نجمتين على لفظة واحدة
وضع الهامشيّ إلى جانب الجوهريّ
لتكتمل النشوة الصاعدة
لا تصدّق صواب تعاليمنا
لا تصدّق سوى أثر القافلة
الخُلاصة، مثل الرصاصة في قلب شاعرها
حكمة قاتلة
كن قوّياً، كثور، إذا ما غضبتَ
ضعيفاً كنوّار لوز إذا ما عشقتَ،
ولا شيء لا شيء
حين تسامر نفسك في غرفة مغلقةْ
الطريق طويل كليل امرئ القيس:
سهلٌ ومرتفعات، ونهرٌ ومنخفضات
على قدر حلمك تمشي
وتتبعك الزنبق
أو المشنقة!
لا أخاف عليك من الواجبات
أخاف عليك من الراقصات على قبر أولادهنّ
أخاف عليك من الكاميرات الخفيّات
في سُرَر المطربات
لن تخيّبَ ظنّي،
إذا ما ابتعدتَ عن الآخرين، وعنّي:
فما ليس يشبهني أجملُ
الوصيُّ الوحـــيدُ علـــيك من الآن: مستقبلٌ مهملُ
لا تفكّر، وأنت تذوب أسى
كدموع الشموع، بمن سيراك
ويمشي على ضوء حدسك،
فكّر بنفسك: هل هذه كلّها؟
القصيدة ناقصة... والفراشات تكملها
لا نصيحة في الحبّ، لكنها التجربة
لا نصيحة في الشّعر، لكنها الموهبة
وأخيراً: عليك السلام


محمود درويش

31.7.09

درب المعاناة - الحلقة الرابعة والعشرون


وُلِدَتْ لأخيكم يا سادة
اليوم ..... قصيدةْ
رَضَعَتْ ما يقْرُبُ من ساعة
ما أشرهها من مولودةْ

أنتم مدعوون لحفل
لعروس تواً قد فٌطِمَتْ
لعروسٍ منذ ولادتها
قاسيةٌ جداً وعنيدةْ
جاءتْ فى فستانٍ أحمر
جاءت شامخةً تتبخترْ
تبدو غاليةً وفريدة
.........
...... بالدنيا
بحذاءٍ قد طُرِّزَ ذهباً
بخطىً قد عزفتْ موسيقى
بأبيها ..... بالناس سعيدة
طلبوها منى فابتسمت
فابتسمت فى العين دموعى
معـذرةً ..... فالبنتُ وحيدة
....
رَحَلَتْ معَ زوجٍ مفتونٍ
لبلادٍ كالصينِ بعيدة
.....
تركتنى أحصى دمعاتى
والوحدةُ تنحتُ فى بدنى
منتظراً ميلادَ جديدة .

باسم الغوالبي

9.6.09

المساء


السحب تركض في الفضاء الرّحب ركض الخائفين


و الشمس تبدو خلفها صفراء عاصبة الجبين


و البحر ساج صامت فيه خشوع الزاهدين


لكنّما عيناك باهتتان في الأفق البعيد


سلمى ... بماذا تفكّرين ؟


سلمى ... بماذا تحلمين ؟


*


أرأيت أحلام الطفولة تختفي خلف التّخوم ؟


أم أبصرت عيناك أشباح الكهولة في الغيوم ؟


أم خفت أن يأتي الدّجى الجاني و لا تأتي النجوم ؟


أنا لا أرى ما تلمحين من المشاهد إنّما


أظلالها في ناظريك


تنمّ ، يا سلمى ، عليك


إنّي أراك كسائح في القفر ضلّ عن الطّريق


يرجو صديقاً في الفـلاة ، وأين في القفر الصديق


يهوى البروق وضوءها ، و يخاف تخدعه البروق


بل أنت أعظم حيرة من فارس تحت القتام


لا يستطيع الانتصار


و لا يطيق الانكسار


*


هذي الهواجس لم تكن مرسومة في مقلتيك


فلقد رأيتك في الضّحى و رأيته في وجنتيك


لكن وجدتك في المساء وضعت رأسك في يديك


و جلست في عينيك ألغاز ، و في النّفس اكتئاب


مثل اكتئاب العاشقين


سلمى ... بماذا تفكّرين ؟


*


بالأرض كيف هوت عروش النّور عن هضباتها ؟


أم بالمروج الخضر ساد الصّمت في جنباتها ؟


أم بالعصافير التي تعدو إلى و كناتها ؟


أم بالمسا ؟ إنّ المسا يخفي المدائن كالقرى


و الكوخ كالقصر المكين


و الشّوك مثل الياسمين


*


لا فرق عند اللّيل بين النهر و المستنقع


يخفي ابتسامات الطروب كأدمع المتوجّع


إنّ الجمال يغيب مثل القبح تحت البّرقع


لكن لماذا تجزعين على النهار و للدّجى


أحلامه و رغائبه


و سماؤه و كواكبه ؟


*


إن كان قد ستر البلاد سهولها ووعورها


لم يسلب الزهر الأريج و لا المياه خريرها


كلّا ، و لا منع النّسائم في الفضاء مسيرها


ما زال في الورق الحفيف و في الصّبا أنفاسها


و العندليب صداحه


لا ظفره و جناحه


*


فاصغي إلى صوت الجداول جاريات في السّفوح


واستنشقي الأزهار في الجنّات ما دامت تفوح


و تمتّعي بالشّهب في الأفلاك ما دامت تلوح


من قبل أن يأتي زمان كالضّباب أو الدّخان


لا تبصرين به الغدير


و لا يلذّ لك الخرير


*


لتكن حياتك كلّها أملا جميلا طيّبا


و لتملإ الأحلام نفسك في الكهولة و الصّبا


مثل الكواكب في السماء و كالأزاهر في الرّبى


ليكن بأمر الحبّ قلبك عالما في ذاته


أزهاره لا تذبل


و نجومه لا تأفل


*


مات النهار ابن الصباح فلا تقولي كيف مات


إنّ التأمّل في الحياة يزيد أوجاع الحياة


فدعي الكآبة و الأسى و استرجعي مرح الفتاة




قد كان وجهك في الضّحى مثل الضّحى متهلّلا


فيه البشاشة و البهاء


ليكن كذلك في المساء


إيليا أبو ماضي