٩.٦.٠٩

المساء


السحب تركض في الفضاء الرّحب ركض الخائفين


و الشمس تبدو خلفها صفراء عاصبة الجبين


و البحر ساج صامت فيه خشوع الزاهدين


لكنّما عيناك باهتتان في الأفق البعيد


سلمى ... بماذا تفكّرين ؟


سلمى ... بماذا تحلمين ؟


*


أرأيت أحلام الطفولة تختفي خلف التّخوم ؟


أم أبصرت عيناك أشباح الكهولة في الغيوم ؟


أم خفت أن يأتي الدّجى الجاني و لا تأتي النجوم ؟


أنا لا أرى ما تلمحين من المشاهد إنّما


أظلالها في ناظريك


تنمّ ، يا سلمى ، عليك


إنّي أراك كسائح في القفر ضلّ عن الطّريق


يرجو صديقاً في الفـلاة ، وأين في القفر الصديق


يهوى البروق وضوءها ، و يخاف تخدعه البروق


بل أنت أعظم حيرة من فارس تحت القتام


لا يستطيع الانتصار


و لا يطيق الانكسار


*


هذي الهواجس لم تكن مرسومة في مقلتيك


فلقد رأيتك في الضّحى و رأيته في وجنتيك


لكن وجدتك في المساء وضعت رأسك في يديك


و جلست في عينيك ألغاز ، و في النّفس اكتئاب


مثل اكتئاب العاشقين


سلمى ... بماذا تفكّرين ؟


*


بالأرض كيف هوت عروش النّور عن هضباتها ؟


أم بالمروج الخضر ساد الصّمت في جنباتها ؟


أم بالعصافير التي تعدو إلى و كناتها ؟


أم بالمسا ؟ إنّ المسا يخفي المدائن كالقرى


و الكوخ كالقصر المكين


و الشّوك مثل الياسمين


*


لا فرق عند اللّيل بين النهر و المستنقع


يخفي ابتسامات الطروب كأدمع المتوجّع


إنّ الجمال يغيب مثل القبح تحت البّرقع


لكن لماذا تجزعين على النهار و للدّجى


أحلامه و رغائبه


و سماؤه و كواكبه ؟


*


إن كان قد ستر البلاد سهولها ووعورها


لم يسلب الزهر الأريج و لا المياه خريرها


كلّا ، و لا منع النّسائم في الفضاء مسيرها


ما زال في الورق الحفيف و في الصّبا أنفاسها


و العندليب صداحه


لا ظفره و جناحه


*


فاصغي إلى صوت الجداول جاريات في السّفوح


واستنشقي الأزهار في الجنّات ما دامت تفوح


و تمتّعي بالشّهب في الأفلاك ما دامت تلوح


من قبل أن يأتي زمان كالضّباب أو الدّخان


لا تبصرين به الغدير


و لا يلذّ لك الخرير


*


لتكن حياتك كلّها أملا جميلا طيّبا


و لتملإ الأحلام نفسك في الكهولة و الصّبا


مثل الكواكب في السماء و كالأزاهر في الرّبى


ليكن بأمر الحبّ قلبك عالما في ذاته


أزهاره لا تذبل


و نجومه لا تأفل


*


مات النهار ابن الصباح فلا تقولي كيف مات


إنّ التأمّل في الحياة يزيد أوجاع الحياة


فدعي الكآبة و الأسى و استرجعي مرح الفتاة




قد كان وجهك في الضّحى مثل الضّحى متهلّلا


فيه البشاشة و البهاء


ليكن كذلك في المساء


إيليا أبو ماضي