١٢.٢.٠٧

البكاء الأبيض


كنت طفلا
عندما كان أبي يعمل جنديا
بجيش العاطلين !
لم يكن عندي خدين .
قيل لي
إن ابن عمي في عداد الميتين
وأخي الأكبر في منفاه، والثاني سجين .
لكنِ الدمعة في عين أبي
سر دفين .
كان رغم الخفض مرفوع الجبين .
غير أني، فجأة،
شاهدته يبكي بكاء الثاكلين !
قلت :ماذا يا أبي؟ !
رد بصوت لا يبين :
ولدي ..مات أمير المؤمنين .
نازعتني حيرتي
قلت لنفسي :
يا ترى هل موته ليس كموت الآخرين؟ !
كيف يبكيه أبي، الآن،
ولم يبكِ الضحايا الأقربين؟ !
**
ها أنا ذا من بعد أعوام طوال
أشتهي لو أنني
كنت أبي منذ سنين .
كنت طفلاً ..
لم أكن أفهم ما معنى
بكاء الفرِحِين !

أحمد مطر

٨.٢.٠٧

ماذا تقول الساقية؟

سِرْتُ في الوادي وقد جاء الصَّباحْ
مُعلِناً سِرَّ وجودٍ لا يزولْ
فإذا ســاقـيـةٌ بـيـن البِطاحْ
تتغنَّى .. وتنادي وتقولْ:

ما الحياةْ بالهناءْ
إنَّما العيشُ نُزوعٌ ومُرامْ

ما المماتْ بالفناءْ
إنَّما الموتُ قُنوطٌ وسقامْ

ما الحكيمُ بالكلامْ
بلْ بسِرٍّ ينطوي تحت الكلامْ

ما العظيمُ بالمقامْ
إنَّما المجدُ لمنْ يأبى المقامْ

ما النَّبيلُ بالجدودْ
كمْ نبيلٍ كان من قَتْلى الجدودْ!

ما الذَّليلُ بالقيودْ
قد يكون القيدُ أسْنى مِنْ عقودْ

ما النَّعيمُ بالثَّوابْ
إنَّما الجنَّةُ بالقلب السَّليمْ

ما الجحيمُ بالعذابْ
إنَّما القلبُ الخلِيْ كلُّ الجحيمْ

ما العُقارُ بالنُّضارْ
كم شريدٍ كان أغنى الأغنياءْ

ما الفقيرُ بالحقيرْ
ثروةُ الدُّنيا رغيفٌ ورداءْ

ما الجمالُ بالوجوهْ
إنَّما الحُسْنُ شُعاعٌ للقلوبْ

ما الكمالُ للنَّزيه
ربَّ فضْلٍ كان في بعض الذُّنوبْ


ذاك ما قالتْه تلكَ السَّاقيهْ
لِصُخورٍ عن يمينٍ ويسارْ
رُبَّ ما قالتْه تلكَ السَّاقيهْ
كان من أسْرار هاتيك البِحارْ

جبران خليل جبران



٥.٢.٠٧

ملحوظة أخرى على هامش دفتر الهزائم

ياسيدي

إن كان نجمٌ قد توهج لحظةً
أو فُتّحت أبوابُ جنة
فلأن طفلاً قاد نحو البيت سيدةً مسنة

لا لأنك قد قَتلتَ معارضا
و وأدتَ حين قتلتهُ نيرانَ فتنة

ياسيدي

ها قد أتيتَ مزمجراً في زمرةٍ
حملوا المصاحف بالأسنة
من قال رأياً آخراً أنذرتهُ
ونهرتهُ
وهتفتَ : إن لم يستمع لسديد رأيي المستنير لأقتلنّه

و للجبين تللتهُ
من قبل أن تهوي بسيفك فوقهُ

يا نُبلَ قلبكَ ... ما أحنه

هذا لأن الجهلَ قد أربى
فأخفى عن جبينك ضوء قرآنٍ و سنة

و الناس كانوا قد توالوا نحوه
ساقوا الشواهد و الأدلة تستملنه

فما أرعوى أبدا
و قال: خُلقت من تعبٍ ومن حزنٍ
أَمُر بمَعبر الألم الذي يفضي لمحنة

يا سادتي

هذي معاقلنا تهاوت و الجيوش تحيطنا
هيا نقتّل بعضنا من أجل إدغامٍ و غنة


صلاح عليوة